عبد القاهر الجرجاني

186

دلائل الإعجاز في علم المعاني

عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما ، لا القصر ولا النّسيان . ولو قيل : " لم يكن كلّ ذلك " ، لكان المعنى أنه قد كان بعضه . واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في " كلّ " نحو : " لم يأتني القوم كلّهم " و " لم أر القوم كلّهم " ، على أن الفعل قد كان من البعض ، ووقع على البعض ، قلت : " لم يأتني القوم كلّهم ، ولكن أتاني بعضهم " و " لم أر القوم كلّهم ، ولكن رأيت بعضهم " فأثبتّ بعد ما نفيت ، ولا يكون ذلك مع رفع " كلّ " بالابتداء . فلو قلت : " كلهم لم يأتني ، ولكن أتاني بعضهم " و " كلّ ذلك لم يكن ، ولكن كان بعض ذلك " ، لم يجز ، لأنّه يؤدّي إلى التناقض ، وهو أن تقول : " لم يأتني واحد منهم ، ولكن أتاني بعضهم " . واعلم أنّه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على الحقيقة ، وإنما التأثير لأمر آخر ، وهو دخول " كلّ " في حيّز النفي ، وأن لا يدخل فيه . وإنما علقنا الحكم في البيت " 1 " وسائر ما مضى بإعمال الفعل وترك إعماله ، من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيّز النفي ، وترك إعماله يوجب خروجه منه ، من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل عن الفعل ، وهو " لم " لا أنّ كونه معمولا للفعل وغير معمول ، يقتضي ما رأيت من الفرق . أفلا ترى أنّك لو جئت بحرف نفي يتصوّر انفصاله عن الفعل ، لرأيت المعنى في " كل " مع ترك إعمال الفعل ، مثله مع إعماله ، ومثال ذلك قوله : [ من البسيط ] ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه " 2 " وقول الآخر : [ من البسيط ] ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد " 3 "

--> ( 1 ) علقنا الحكم في البيت : المقصود بيت أبي النجم سبق ذكره وصدره : قد أصبحت أم الخيار . ( 2 ) البيت للمتنبي في ديوانه ( 235 ) ، من قصيدة قالها عندما علم أن قوما نعوه في مجلس سيف الدولة وتمامه : " تجري الرياح بما لا تشتهي السفن " . والمعنى : هم يتمنون موتي ولكن الأمور تسير على عكس رغباتهم ، والبيت في الإيضاح ( 72 ) ، والتبيان ( 2 / 478 ) ، وشرح المرشدي على عقود الجمان ( 1 / 88 ) . ( 3 ) البيت : هو صدر بيت قاله أبو العتاهية من قصيدة يعاتب فيها نفسه وعجزه : إذا بدا لك رأي مشكل فقف ( الديوان 165 ) .